الشيخ محمد رشيد رضا
227
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويرجى أن يصدقوا ويبروا فيها كما بيناه في تعليل القسم بعد الصلاة ، ومثله في ذلك اختيار المكان ، وهو مشروع أيضا . ومما ورد في السنة في ذلك ما رواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وصححه وابن ماجة بسند رجاله ثقات وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححوه عن جابر مرفوعا « لا يحلف أحد عند منبري كاذبا الا تبوأ مقعده من النار » وعن أبي هريرة حديث بمعناه عند أحمد وابن ماجة . وروى النسائي باسناد رجاله ثقات عن أبي أمامة بن ثعلبة رفعه « من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا » واستدل بالآية وبهذه الأحاديث جماهير الفقهاء على جواز التغليظ على الحالف بمكان معين ثبتت حرمته شرعا كالمسجد الحرام ، وخاصة ما بين الركن ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، والمسجد النبوي وخاصة ما كان منه عند منبره صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبالزمان كيوم الجمعة وبعد صلاة العصر ، وقال بعضهم - ومنهم الحنفية - ان ما ذكر من النصوص لا يدل على ذلك . ولعله لا ينكر أحد التغليظ بما ورد فيها ، وانما الخلاف في القياس عليها أو الأخذ بفحواها وقال الرازي في تفسير الآية : قال الشافعي رحمه اللّه الايمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مئتي درهم - في الزمان والمكان ، فيحلف بمكة بين الركن والمقام ، وبالمدينة عند المنبر ، وفي بيت المقدس عند الصخرة ، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد ، وقال أبو حنيفة رحمه اللّه يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان ومكان ، وهذا على خلاف الآية ، ولان المقصود منه التهويل والتعظيم ، ولا شك ان الذي قاله الشافعي رضي اللّه عنه أقوى اه هذه العبارة تشهد على نفسها بالتعصب فلا يقال أن أبا حنيفة خالف الآية الا إذا أجاز ترك العمل بمنطوقها في هذا الموضوع نفسه ( 7 ) التغليظ على الحالف بصيغة اليمين بأن يقول فيه ما يرجى ان يكون رادعا للحالف عن الكذب كالألفاظ التي وردت في الآية ، وأشد منها ما ورد في شهادة اللعان ، وقد جرى على هذا أصحاب الجمعيات السياسية في الاسلام وغيره فاخترعوا أيمانا وأقساما قديتحامى أفسق الناس وأجرأهم على الاجرام أن يحنث بها . وقد